الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

340

مناهل العرفان في علوم القرآن

ويأمر كتاب الوحي بكتابتها معيّنا لهم السورة التي تكون فيها الآية ، وموضع الآية من هذه السورة . وكان يتلوه عليهم مرارا وتكرارا في صلاته وعظاته وفي حكمه وأحكامه . وكان يعارض به جبريل كل عام مرة ، وعارضه به في العام الأخير مرتين . كل ذلك كان على الترتيب المعروف لنا في المصاحف . وكذلك كان كل من حفظ القرآن أو شيئا منه من الصحابة ، حفظه مرتب الآيات على هذا النمط . وشاع ذلك وذاع ، وملأ البقاع والأسماع ، يتدارسونه فيما بينهم ، ويقرءونه في صلاتهم ، ويأخذه بعضهم عن بعض ، ويسمعه بعضهم من بعض بالترتيب القائم الآن فليس لواحد من الصحابة والخلفاء الراشدين يد ولا تصرف في ترتيب شئ من آيات القرآن الكريم . بل الجمع الذي كان على عهد أبى بكر لم يتجاوز نقل القرآن من العسب واللخاف وغيرها في صحف ، والجمع الذي كان على عهد عثمان لم يتجاوز نقله من الصحف في مصاحف . وكلا هذين كان وفق الترتيب المحفوظ المستفيض عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن اللّه تعالى . أجل : انعقد الإجماع على ذلك تامّا لا ريب فيه . وممن حكى هذا الإجماع جماعة ، منهم الزركشي في البرهان ، وأبو جعفر في المناسبات إذ يقول ما نصه : ( ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين ) . واستند هذا الإجماع إلى نصوص كثيرة منها ما سبق لك قريبا ، ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت جالسا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ شخص ببصره ثم صوّبه ثم قال : « أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من لسورة : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى » إلى آخرها . ومنها ما ثبت في السنن الصحيحة من قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسور عديدة كسورة البقرة وآل عمران والنساء ومن قراءته لسورة الأعراف في صلاة المغرب وسورة « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ » وسورة الروم في صلاة الصبح ، وقراءة سورة السجدة وسورة « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ »